حيدر حب الله
351
نظرية السنة في الفكر الإمامي الشيعي
حجية الظهور هذه ذهب أحد كبار الأصوليين - وهو السيد الخوئي ( 1413 ه ) - إلى القول بعدم كون هذا البحث - أي حجية الظهور - بحثا أصوليا أصلا ، والسبب الذي دفعه لقوله هذا هو ادعاؤه وضوح هذا المبدأ في الحياة الإنسانية حدّا خرج به عن حيّز الجدل العلمي « 1 » ، وبهذا شعر الأصولي بأن نظرية الظهور والدلالة بكل عمقها وأبعادها راسخة رسوخا بالغا ، مما جعله غير معنيّ كثيرا بالبرهنة عليها ، ولهذا وجدنا أن البرهنة عليها جاء في سياق اختصار شديد عندهم ، الأمر الذي جعلهم في موضوع بحثنا يكتفون برد مقولة الأخباري بدل البرهنة على مقولتهم ، بل لقد أعرض بعض الأصوليين عن خوض الجدل مع الأخباري استخفافا بمقولته ، تماما كما فعله النائيني ، وفعله الإمام الخميني ( 1409 ه ) وولده في دراساتهما الأصولية ، ومثلهما البروجردي ( 1380 ه ) ، حيث اكتفى - أي الخميني - بالإشارة إلى موضوع التحريف ، مسجّلا حملة عنيفة على المحدّث النوري ( 1320 ه ) « 2 » . ثانيا : في محاولة منهم لمنهجة البحث ، عمد الأصوليّون إلى ضغط أدلّة الطرف الآخر ، ليحوّلوها إلى عناصر محدّدة ، أي أن الطريقة التي اتبعها الحرّ العاملي في سرد عشرات الأدلّة لم تكن ممكنة للأصولي ، لأنّه سوف يضطرّ إلى التشعّب والتشتّت ، كما أن غزارة النصوص التي قدّمها الأخباري سيما في « وسائل الشيعة » ، أو قدّمها الأصولي سيما في « الأصول الأصليّة » ، كانت ترهق الأصولي عند متابعتها سندا ودلالة ، ولهذا حاول الأصولي فرز هذه الأعداد الكبيرة من النصوص والأدلّة الأخبارية أيضا داخل مجموعات محدّدة ، ليعطي كل مجموعة عنوانا أو محورا تدور حوله ، وبذلك ضبط الأصولي البحث وزاده منهجة واتزانا ، فلم نجد في « كفاية الأصول » للخراساني وغيرها سوى أدلة خمسة ، أو أقلّ أو أكثر بقليل في غيرها « 3 » ، وهذا تطوّر منهجي جيّد . ثالثا : إلا أن اختزال الأصولي هذا ، تسبّب في تغييب عناصر أساسيّة كان الأخباريّ قد قدّمها من قبل ، وهي عناصر لا تخلو من أهمية ، ولكي نؤكّد عملية التغييب هذه نذكر عيّنات دالّة :
--> ( 1 ) - السيد الخوئي ، محاضرات في أصول الفقه 1 : 6 ؛ وله أيضا : مصباح الأصول 2 : 118 . ( 2 ) - راجع : النائيني ، فوائد الأصول 3 : 135 - 137 ؛ والإمام الخميني ، أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية 1 : 243 - 247 ؛ وتنقيح الأصول 3 : 130 - 132 ؛ وله أيضا : تهذيب الأصول 2 : 417 - 418 ؛ ومصطفى الخميني ، تحريرات في الأصول 6 : 321 - 331 ؛ وانظر البروجردي في حاشية الكفاية 2 : 74 . ( 3 ) - راجع مجمل الكتب الأصولية المؤلفة في القرنين الماضيين ، وقد صرّح الميرزا أبو الحسن المشكيني بأن حصيلة أدلّة الأخباري تبلغ العشرة ، لكن الشيخ الخراساني جعلها خمسة ، ربما لضعف بقية الأدلّة ، راجع كفاية الأصول مع حواشي المشكيني 3 : 201 - 202 .